للوهلة الأولى قد يبدو ما يحدث للفرنك السويسري غريبًا.
الفائدة الأمريكية تقع حاليًا عند 3.75%–4.00% بينما يبلغ سعر الفائدة لدى البنك الوطني السويسري 0% فقط. ومن المنطقي اقتصاديًا أن يفضل المستثمر الاحتفاظ بالدولار الذي يمنحه عائدًا أعلى بدلًا من عملة تكاد لا تمنحه أي عائد.
ومع ذلك شهد الفرنك السويسري قوة واضحة خلال الأيام الأخيرة ليس فقط أمام اليورو وإنما أيضًا أمام الدولار.
فكيف يحدث ذلك؟
الإجابة تكشف واحدًا من أهم الدروس لفهم سوق العملات: سعر العملة لا يتحرك بسبب الفائدة وحدها، وإنما نتيجة صراع مستمر بين العائد المتوقع والمخاطر والتوقعات وتدفقات رؤوس الأموال.
أولًا: الدولار يمتلك أفضلية واضحة في العائد
بدأ الاحتياطي الفيدرالي جولة جديدة من التشديد عندما رفع الفائدة في سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00% كما أظهرت توقعات أعضاء الفيدرالي المنشورة في سبتمبر أن معظمهم يرى مستوى أعلى للفائدة بنهاية 2026 مقارنة بالمستوى الحالي.
على الجانب الآخر، أبقى البنك الوطني السويسري سعر الفائدة عند 0% وهنا يظهر مفهوم اقتصادي مهم يسمى «فارق العائد».
ببساطة، إذا استطاع المستثمر الاحتفاظ بأصل بالدولار والحصول على عائد يقترب من 4%، بينما لا يحصل تقريبًا على شيء مقابل الاحتفاظ بالفرنك، تصبح الأصول الأمريكية أكثر جاذبية من زاوية العائد فقط ولهذا السبب كان ارتفاع عوائد السندات الأمريكية أحد العوامل الرئيسية التي دفعت الدولار للصعود خلال الفترة السابقة.
لكن الأسواق لا تتداول المستوى الحالي للفائدة فقط إنها تتداول ما تتوقع أن يحدث بعد ذلك وهنا تبدأ قصة صعود الفرنك.
ثانيا: ضعف الوظائف الأمريكية غير جزءًا من المعادلة
صدر تقرير الوظائف الأمريكي عن سبتمبر يوم الجمعة 2 أكتوبر بصورة أضعف بكثير من المتوقع حيث أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة فقط، بينما كانت توقعات الاقتصاديين تدور حول 90 ألف وظيفة، كما جرى تعديل قراءة أغسطس إلى الأسفل.
هذه الأرقام لا تعني أن الاقتصاد الأمريكي دخل فجأة في حالة ركود، لكنها دفعت المستثمرين إلى تقليل توقعاتهم بأن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرة أخرى في اجتماعه القادم.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن قوة الدولار لا تعتمد فقط على كون الفائدة الأمريكية مرتفعة، بل تعتمد أيضًا على توقع استمرار ارتفاعها فإذا بدأ السوق يعتقد أن الفيدرالي قد يتوقف مؤقتًا، يصبح جزء من الميزة التي كان المستثمرون يسعرونها في الدولار أقل قوة وهذا ما حدث بعد بيانات الوظائف، حيث تراجع الدولار أمام الفرنك.
ثالثا: الاقتصاد السويسري أرسل إشارات أفضل من المتوقع
في الوقت نفسه، جاءت بعض البيانات الاقتصادية السويسرية داعمة للعملة حيث ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 1.0% في سبتمبر مقابل 0.8% في أغسطس.
قد يبدو معدل 1% منخفضًا جدًا مقارنة بما شهدته اقتصادات أخرى خلال السنوات الماضية، لكنه مهم بالنسبة لسويسرا التي تعيش تاريخيًا مع معدلات تضخم منخفضة للغاية وكلما ابتعد التضخم عن المستويات المنخفضة جدًا، انخفضت الحاجة إلى مزيد من التيسير النقدي من البنك الوطني السويسري.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة الحقيقية بنحو 3.2% على أساس سنوي في أغسطس، متجاوزة توقعات السوق التي كانت قرب 2.1%–2.2% وهذا أعطى إشارة أخرى على أن الطلب الداخلي ليس ضعيفًا بالصورة التي قد تبرر سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
النتيجة أن السوق أصبح أمام معادلة جديدة:
الولايات المتحدة لا تزال تمتلك فائدة أعلى بكثير، لكن احتمال رفعها سريعًا أصبح أقل وضوحًا، بينما جاءت البيانات السويسرية أقوى نسبيًا.
رابعا: الفرنك ليس مجرد عملة ذات فائدة منخفضة
هنا نصل إلى الخاصية الأشهر للفرنك السويسري الفرنك يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره أحد أصول الملاذ الآمن. ولا تأتي هذه الصفة من سعر الفائدة، وإنما من مجموعة عوامل مرتبطة بالنظام المالي والاقتصادي السويسري، من بينها الاستقرار المؤسسي والمالي والسمعة التاريخية للنظام النقدي السويسري.
وعندما ترتفع حالة عدم اليقين في الأسواق، قد يصبح المستثمر أكثر اهتمامًا بالحفاظ على رأس المال من البحث عن أعلى عائد ممكن ولهذا يستطيع الفرنك أن يرتفع أحيانًا حتى بينما تكون فائدته أقل بكثير من العملات المنافسة.
هذا هو الفارق بين «العائد» و«الأمان».
في الظروف الهادئة يميل فارق العائد إلى اكتساب أهمية أكبر.أما عندما ترتفع المخاطر، فقد تصبح حماية رأس المال هي الأولوية.
خامسا: لماذا أثرت أزمة السندات الأوروبية في الفرنك؟
شهدت أسواق السندات العالمية خلال الأيام الماضية موجة بيع قوية دفعت العوائد إلى مستويات لم تُشاهد منذ سنوات طويلة حيث وصل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى حوالي 5.34% مؤقتًا، وهو أعلى مستوى منذ 2002.
لكن المشكلات لم تكن أمريكية فقط حيث تصاعدت المخاوف بشأن الوضع المالي الفرنسي، وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى مستويات لم تشاهد منذ أزمة الديون الأوروبية تقريبًا وهنا تعرض اليورو لضغوط قوية.
والفرنك السويسري هو أحد البدائل الطبيعية التي قد تلجأ إليها رؤوس الأموال الأوروبية في مثل هذه الظروف لذلك لم يكن من المستغرب أن يهبط اليورو بقوة أمام الفرنك مع تصاعد المخاطر المالية الأوروبية.
وهذا يعلمنا شيئًا آخر مهمًا:
قوة العملة قد تأتي أحيانًا ليس لأن اقتصادها تحسن بصورة هائلة، وإنما لأن البدائل المحيطة بها أصبحت أقل جاذبية.
سادسا: ما علاقة الـCarry Trade بما يحدث؟
بسبب الفائدة السويسرية عند 0%، أصبح الفرنك عملة مناسبة لعمليات تعرف باسم Carry Trade.
الفكرة ببساطة يقترض المستثمر أو يمول مركزه بعملة منخفضة الفائدة مثل الفرنك، ثم يحول الأموال إلى عملة أو أصل يمنحه عائدًا أعلى، فطالما الأسواق هادئة وفارق العائد كبير، قد تكون هذه الاستراتيجية جذابة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ترتفع التقلبات حينها قد يبدأ المستثمرون في إغلاق مراكزهم، ويحتاج من باع الفرنك سابقًا إلى شرائه مجددًا لإغلاق الصفقة وبالتالي يمكن أن يؤدي فك صفقات الـCarry Trade إلى ارتفاع مفاجئ في العملة التي كانت تستخدم للتمويل.
وهذه ليست مجرد نظرية، بنك التسويات الدولية أوضح أن تصفية مراكز الـCarry Trade يمكن أن تضخم حركة عملات التمويل عندما تتغير توقعات الفائدة أو ترتفع التقلبات.
وهكذا يمتلك الفرنك صفتين تبدوان متناقضتين ولكنهما قد تعملان في الاتجاه نفسه أثناء الاضطرابات:
(1) عملة تمويل منخفضة العائد - (2) عملة ملاذ آمن
وعندما ترتفع المخاطر قد يؤدي العاملان معًا إلى زيادة الطلب عليه.
إذن لماذا يصعد الفرنك الآن؟
يمكن اختصار الصورة الحالية في أربع قوى رئيسية.
الأولى هي ضعف بعض البيانات الأمريكية، وخاصة تقرير الوظائف الأخير، وهو ما خفض توقعات رفع الفائدة الأمريكية سريعًا وأضعف جزءًا من دعم الدولار.
الثانية هي تحسن البيانات السويسرية نسبيًا، مع ارتفاع التضخم إلى 1% وقوة مبيعات التجزئة، وهو ما يقلل الضغوط على البنك الوطني السويسري للتحول إلى سياسة أكثر تيسيرًا.
الثالثة هي ارتفاع القلق في الأسواق الأوروبية، وخاصة حول المالية العامة الفرنسية، بما أعاد جزءًا من الطلب على الفرنك كملاذ آمن.
والرابعة هي احتمال مساهمة إعادة هيكلة أو إغلاق بعض صفقات الـCarry Trade في زيادة الطلب على الفرنك عندما ترتفع التقلبات.
## الخلاصة ##
من السهل الوقوع في قاعدة مبسطة تقول: «الفائدة الأعلى تعني العملة الأقوى» لكن الأسواق أكثر تعقيدًا من ذلك.
الصحيح أن ارتفاع الفائدة يعطي العملة عادة ميزة في العائد، لكن السوق ينظر في الوقت نفسه إلى اتجاه الفائدة المتوقع، وقوة الاقتصاد، والتضخم، والمخاطر العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال.
ولهذا يمكن للدولار أن يحتفظ بأفضلية كبيرة في العائد، وفي الوقت نفسه يصعد الفرنك أمامه لفترة قصيرة عندما تبدأ الأسواق في تخفيض توقعاتها للفائدة الأمريكية أو عندما يرتفع الطلب العالمي على الأمان.
وهذا بالضبط ما نشاهده حاليًا فالفرنك لا يصعد لأن الفائدة السويسرية أصبحت فجأة أكثر جاذبية من الأمريكية بل لأنه في سوق العملات، أحيانًا يكون الخوف من الخسارة أقوى من إغراء العائد.
تحليلات أعمق، أخبار لحظية وأدوات للمتداول
اكتشف المزيد على👇🏻
arabictrader.com ✅
اكتشف المزيد على👇🏻
arabictrader.com ✅
相关出版物
免责声明
这些信息和出版物并非旨在提供,也不构成TradingView提供或认可的任何形式的财务、投资、交易或其他类型的建议或推荐。请阅读使用条款了解更多信息。
تحليلات أعمق، أخبار لحظية وأدوات للمتداول
اكتشف المزيد على👇🏻
arabictrader.com ✅
اكتشف المزيد على👇🏻
arabictrader.com ✅
相关出版物
免责声明
这些信息和出版物并非旨在提供,也不构成TradingView提供或认可的任何形式的财务、投资、交易或其他类型的建议或推荐。请阅读使用条款了解更多信息。
